هناك لحظة في فيلم الخيال العلمي Alien الذي أخرجه Ridley Scott عام 1979 عندما تصرخ Ellen Ripley قائلة: "أيها الوغد!" قبل تضرب قاذف اللهب خاصتها على شاشة الحاسوب بإحباط. إنها أول لفظة "وغد" تلفظها في سلسلة Alien، وإن لم تكن بالتأكيد العبارة الأكثر شهرة، فالعبارة الأكثر شهرة كانت في فيلم Aliens للمخرج الشهيرJames Cameron عام 1986.
إلا أن هذه الكلمة تلخص الشعور بالحنق والخوف المتفجر الذي تشعر به Ripley والمشاهدين بعد 90 دقيقة غريبة من لعبة القط والفأر الوحشية. إنها ردة فعل متوقعة من Ripley نظراً للظروف التي تمر بها. كما أنها ردة فعل متوقعة تحصل عند اللعب بلعبة الرعب Alien: Isolation والتي هي من تطوير Creative Assembly والتي تقوم مقام الجسر الذي يصل ما بين الفيلمين، لكن أحداثها تجري في عالم Scott المشحون والمتوتر والذي لا يرحم.
Alien: Isolation ليست من الألعاب التي يمكن أن تحبها بسهولة بشكل فوري. أستطيع أن أتفهم كل النقد الذي قرأته حولها، من بينها مراجعة IGN. فهي تعاني من مشكلة بوتيرة التقدم، والمستوى الصعب يضع كل تركيزك في مواجهة الذكاء الإصطناعي بوحشية كبيرة لدرجة تصبح صعبة لدرجة مضحكة، وتشعر بأن اللعبة تنسى لأكثر من مرة مهمتها الخاصة وترميك في سيناريوهات ألعاب التصويب في عالمها البعيد عن عالم التصويب.
لكني أعتقد بأنها لعبة جريئة، لعبة تخوض مخاطر هائلة، لدرجة يجب الإحتفال بها ضمن فضاء ألعاب الـ AAA الذي تحارب فيه الألعاب للحصول على أكبر شريحة من الجمهور وغالباً ما ينتهي المطاف بها متشابهة جميعها نتيجة لهذا. إنها تغير ما اعتدنا توقعه من ألعاب الخيال العلمي الـ AAA رأساً على عقب، عبر تجنب الخيال المخضب بالدماء (والذي نجده في كل الألعاب من هذا النوع تقريباً) بهدف تقديم تجربة تحافظ على نفس مستوى مصدرها الرئيسي للاعبين.
محاكاة الرعب
إن Alien: Isolation، كما يصفها Thomas Grip مدير شركة Frictional Games في الموضوع الذي نشره في مدونته: “Thoughts on Alien: Isolation and Horror Simulation”، هي "محاكاة للرعب"، إنها نوع فرعي غير شهير من ألعاب الرعب والتي تفضل تجربة محاكاة التجارب المروعة فوق كل شيء آخر. وبعبارة أخرى، يصبح الترفيه في المرتبة الثانية بعد الشعور بالخوف.
من الصعب جداً تنفيذ لعبة محاكاة للرعب، فإذا تماديت في أحد الجوانب، تصبح اللعبة محبطة جداً، وإذا تماديت في جانب آخر، تصبح بعيدة عن ألعاب الفيديو. وفي هذه الصناعة، يميل معظم المطورين الذين يعملون على ألعاب الرعب إلى سلوك طريق آمن، فيقومون ’بتغليف’ ألعابهم التي تميل لأن تكون ألعاب مغامرات حركية بغلاف لعبة رعب. وإذا استثنينا بعض الألعاب الغريبة من تطوير مطورين مستقلين مثل Outlast، Slender، ولعبةAmnesia: the Dark Descent لـ Grip نفسه، نجد أن أغلبية ألعاب الرعب التي صدرت من قبل شركات نشر كبيرة خلال العقدين الأخيرين (والتي يطلق على العديد منها ’ألعاب رعب وبقاء’) عبارة عن ألعاب تعتمد على الجري وإطلاق النار مغطاة بستار دموي.
ويشرح Grip الاختلاف ما بين لعبة ’مغلفة’ بالرعب وبين لعبة محاكاة رعب قائلاً: "تقوم Resident Evil بالكثير من الأشياء لزيادة مستوى الخوف، مثل الشح في الذخيرة، إدارة المخزون، ونقاط الحفظ المحدودة، إلخ...، لكن لا يتسبب أي من هذا بحدوث أية سيناريوهات رعب محددة، إذ لا تزال اللعبة تتمحور حول إطلاق النار على أعداء مختلفين بهدف التقدم في اللعبة".
وأكمل قائلاً: "عندما تلعب بلعبة مثل Resident Evil، فإن كل مواجهة تحتاج إلى قرارات تكتيكية ودقيقة للغاية. تنظر إلى نوع الخصم الذي تواجهه، الأسلحة التي تحملها، إمدادات الذخيرة الحالية، مستوى الطاقة، إلخ... أي أن تركيزك على الأرقام الصرفة أكثر بكثير من تركيزك على مظهر المخلوقات التي أمامك".
إن طريقة التفكير المنفصلة هذه تبقي أية تجربة رعب على مسافة من اللاعب، لأننا نفهم في نهاية المطاف أن هناك نظاماً معيناً يختبئ خلف الأنياب، وأن هذا النظام يمكن التلاعب به. لكن محاكاة الرعب من ناحية أخرى لا توفر لنا مثل هذه الراحة.
"تمتلك محاكاة الرعب العديد من الأفعال التي ترتبط بأفلام الرعب: الإختباء تحت السرير، النظر عبر المرآة، الهروب، دفع الوحش ...إلخ. وأثناء اللعب، يقوم اللاعب بإعادة تمثيل مشاهد رعب ببساطة عبر اتباع القواعد التي يفرضها أسلوب اللعب".
"يبدأ عقلك بالتفكير بسرعة في محاولة للتنبؤ بالأحداث المستقبلية. وعندما تجمع هذا مع خارطة تجبرك على أن تفكر بنفسك كجزء من البيئة، ووحوش تقتفي أثرها غالباً عبر استنتاج مواقعها، ستحصل على حالة ذهنية أكثر حيوية وأقرب للرعب".
احبس أنفاسك.
موسيقى البانك
قررت شركة Creative Assembly أنها ستخاطر بسمعتها، وبالترخيص، وبالكثير من الأموال عبر نبذ الأسلوب المألوف الذي يتبناه العديد من رواد الرعب الآخرين: مثل Capcom و Visceral Games و Monolith، لصنع محاكاة رعب بطول 25 ساعة في سعي لتحقيق تجربة ‘Alien’ أصلية. لقد كانت (إذا تجرأت على القول) موسيقى البانك بينهم.
وقد قال Alistair Hope المدير الإبداعي للعبة Isolation "لست متأكداً أننا نظرنا إليها على أنها قد تؤذي المؤسسة. كنا نحاول فحسب أن نقدم تجربة لعب جديدة".
والنتيجة هي لعبة لا تبدو كأية لعبة أخرى عبر مخالفتها لكافة توقعاتنا في كل الجوانب. لا تحتمل معظم الألعاب فترات الصمت أو انعدام الفاعلية، فترمي اللاعب على سبيل المثال في مواجهات نارية عشوائية أو إرشادات فورية على الشاشة خوفاً من أن يشعر اللاعب بالملل، أو ألا يعرف ما الذي عليه فعله في هذا الجزء، لكن Alien: Isolation تتيح لك بكل سرور التجول في أرجاء محطات فضائية طويلة وبيضاء هادئة. وهذا يذكرك أن وجودك هنا قد يكون... يا للهول! عرضياً. وهذه فكرة لم نسمع بها تقريباً في فضاء ألعاب الـ AAA.
يقول Hope: "بالنسبة لي، Alien: Isolation هي تجربة اللاعب الكلية ابتداءاً من المواجهات المتفجرة مع الـ Alien والأعداء الآخرين، إلى اللحظات الأكثر هدوءاً عندما يكون اللاعب وحيداً. كان علينا أن ندع اللاعب يمر في هذه المجموعة المتنوعة من التجارب لكي نوجد تبايناً في الفضاء واللهجة (لن يبق التوتر فعالاً لو بقي بشكل دائم على المستوى 11). كما أردنا أن يشعر اللاعب أنه حقاً داخل عالم Sevastopol، عالقاً داخل هذا المشهد الخيالي الجميل من السبعينيات لمستقبل معتاد: تجربة غامرة لكن خطيرة ’كإناء ضغط’ من دون أية وسيلة سهلة للهروب. وأن يتمكن المحيط والبيئة من الدخول إلى داخل رأس اللاعب حقاً، أن يتواجد داخل مخيلة اللاعب بمثل تواجده على الشاشة".
"من المثير أن نقرأ كيف أن الكثير من الناس يحلمون بـ Alien: Isolation بعد لعبها. لذا أعتقد بأننا نجحنا".
المكان شديد الهدوء
الكائن الحي المثالي
يبني العدو ذو الذكاء الاصطناعي على فكرة أن وجودك عرضي وغير هام، حيث يتصرف المعاديون بمزاج لا يمكن التنبؤ به، ولا تؤثر حياتهم أو موتهم على النظام البيئي في Isolation. وعندما يهاجم البشر والإنسان الأوتوماتيكي (androids)، يقومون بذلك بدون أية طقوس. يمشي الإنسان الأوتوماتيكي نحوك بهدوء، ولا تحصل على أية مكافأة على قتله الذي يحدث عادة بشكل فوضوي وغير منسق. بعض البشر لا يهاجمون على الإطلاق، بل بدلاً من ذلك يهربون وبتجاوزونك بخوف جنوني، أو يختبئون بارتعاد في مخبأ ما. "إنه لا يهتم لأمرك" تهمس اللعبة في أذنك، "لا أحد يفعل".
وعلى الرغم من أننا نتعلم في نهاية المطاف كيفية التغلب على أولئك العدوانيين، إلا أنك لا تستطيع أن تتنبأ أبداً بتحركات الـ Alien، إذ من المستحيل مضاهاة نظام هذا الزعيم المذهل الموجود في كل مكان. إنه ’الكائن الحي المثالي’ في لعبة Isolation، فهو يوفر فرصاً لحدوث لحظات من حالات اللعب المعقدة القاتلة (emergent gameplay): فقد يدمر بشكل كلي 40 ساعة من تقدمك الحذر بهجمة واحدة مميتة، أو البقاء مختبئاً بشكل مثير للأعصاب داخل الفتحات لفترات طويلة. بإمكانه الإنقضاض عليك من الخلف أثناء قيامك بحفظ اللعبة، أو يزحف بهدوء وأنت في منتصف حل لغز ما.
كان باستطاعة شركة Creative Assembly تنسيق تصرفاته بالطبع، عبر تحديد مساره وسلوكه حتى نتمكن من حفظها والتلاعب بها. كنا سنلعب بكل تأكيد لعبة الـ Alien تلك من دون تردد، كما وكنا سنستمتع بها على الأرجح. لكن عندها... لن تكون تلك اللعبة وفية لتجربة Ripley.
حيث قال Hope: "كنا نعرف أن تصميم حركة الـ Alien لحظة بلحظة، لم يكن سيقدم التجربة التي أردناها. إذا تمكن اللاعب من التنبؤ بما سيحدث فسيتبخر كل ذاك الشعور بالخوف والتوتر. لذا قررنا أن ندع حواس الـ Alien تقود تصرفاته. فهو ينظر ويستمع إلى اللاعب، ويتخذ قراراته بناءاً على ما يعرفه عن العالم من حوله".
سترى هذا كثيراً.
وبالطبع، من المستحيل ’التغلب’ على الـ Alien في Isolation. وعلى الرغم من شعورك بأنك يجب أن تكون قادراً على التغلب عليه، لأن التحكم بـ Amanda Ripley يجري بشكل تقليدي جداً: بإمكانها الجري، بإمكانها الإنحناء، بإمكانها رمي الأغراض واستخدام الأسلحة ببراعة، لكن Isolation ترفض الإنغامس في هذه القدرات بشكل كبير. حتى عندما تكون بأقصى قوتك، قد يكون بإمكان قاذفة لهب أن تبقي الـ Alien بعيداً لدقيقة أو اثنتان، لكنك بشكل عام ستمضي معظم وقتك مرتعداً في خزانة أو مختبئاً تحت عربة ما حابساً أنفاسك.
قد يكون هذا مثيراً للإحباط، الهروب بشكل مستمر والاختباء في أماكن ضيقة. كما وأن نقاط الحفظ متباعدة في Alien: Isolation لزيادة الطين بلة، لذا عندما تتعرض للموت، ستخسر الكثير من تقدمك عبر اللعبة. وقد سألنا Hope بخصوص هذه الميزة بالتحديد، على اعتبار أن الحفظ اليدوي قد أصبح أسلوباً قديماً، شبح من الماضي عندما كانت الألعاب تلبي جمهوراً أصغر بكثير وأكثر تسامحاً.
أجاب Hope: "أحد الجوانب الأخرى الرئيسية في ألعاب الرعب بالنسبة لي هو مفهوم ’الانتصارات الصغيرة’. الأحداث والإنجازات الصغيرة التي، إذا تمكن اللاعب من الوصول إلى التالية، قد يتمكن من النجاة في نهاية المطاف".
وأضاف: "لقد جربنا مجموعة من أنظمة الحفظ، ابتداءاً من نقاط الحفظ الأوتوماتيكية إلى الحفظ اليدوي لكن استمرينا بالعودة إلى الحفظ اليدوي على اعتبار أنه إضافة قوية لتجربة الرعب. مع الحفظ اليدوي تصبح أهداف Amanda واللاعب متحدة (كلاهما يريد العثور عليها والوصول إليها بأمان بهدف النجاة). إنها تنجح بإيصال فكرة ’الانتصارات الصغيرة’ بطريقة ملموسة ومجدية جداً. كما وتوفر للاعب لحظات ليلتقط أنفاسه بهدوء، وليفكر ملياً برحلته حتى تلك النقطة، قبل الخوض من جديد في غمار المجهول.
وبالنظر لوحشية Isolation الغير مبررة تساءلنا، هل توقفت شركة Sega في أية لحظة خلال عملية التطوير وتكلمت مع Hope لتقول له: "اسمع يا صاح، هل سيستمتع الناس فعلاً بهذه التجربة؟".
أجابنا Hope: "أعتقد بأننا كنا في موقف نحسد عليه في الحقيقة. فلقد كانت شركتي Sega و Twentieth Century Fox كلتيهما داعمتين للغاية للرؤية وللطرح الأصلي منذ اليوم الأول وطوال فترة التطوير كنت أشعر بأننا كنا نمتلك زمام السيطرة الإبداعية على قراراتنا والحرية الكاملة لاستكشاف الأفكار داخل الكون. من الناحية الإبداعية، لربما قمنا بصنع لعبة مستقلة مع دعم AAA؟ الأمر الذي على ما أعتقد سيكون مختلفاً".
وأكمل قائلاً: "لكني أعتقد بأن المفتاح هنا كان الإيمان، الأمر الذي أعتقد بأنه في غاية الأهمية، لذا حتى عندما لم نتمكن من أن نتحدث أو نعرض لأي أحد ما الذي نعمل عليه استمرينا بالإيمان بالهدف النهائي. كما وكان الأمر مطمئناً عندما تمكنا من عرض عملنا عبرتجارب ديمو وراء الأبواب المغلقة وكانت ردود الفعل إيجابية دائماً بشكل كبير".
"أعتقد أن الأمر يتعلق بإيمان الجميع في الداخل والخارج بالرؤية والقرارات التي اتخذناها لننفذ اللعبة".
التطلّع للأمام
أياً كان رأيك في لعبة Isolation، من الصعب أن تجادل بأنها لا تنجح بإيصال ذاك الشعور بالتوتر الموجود في النصف الأخير من فيلم Scott. أثناء لعبي بها، استمريت بالعودة إلى تلك اللحظة عندما تقوم Ripley برمي قافذة اللهب على شاشة الكومبيوتر، ملقية اللعنات على برنامج ذو ذكاء اصطناعي غير مدرك لكلامها. أيها الوغد، لقد فكرت بعد التعرض للموت للمرة الخامسة عشر. أيها الوغد المطلق.
أعطتني لعبة Isolation أملاً كبيراً في تقدم تطوير ألعاب الـ AAA. إنها تثبت أن هكذا رؤى يمكن أن تولد ضمن نظام استديو كبير وتخرج محررة من كل الأغلال. سألت Hope ما إذا كان يشعر بالفخر من تفرده فأجاب:
"أشعر كما لو أننا قمنا بنقلة في هذا النوع من الألعاب، وفتحنا آفاقاً جديدة مثيرة ومرضية وتستحق العناء حقاً. أشعر كما لو أننا صنعنا لعبة Alien ذات معنى. فجوابي هو نعم! نحن نشعر بالفخر. لقد شرعنا في تطوير أفضل لعبة Alien على الإطلاق ونشعر بأننا حققنا الهدف وأكثر. نشعر بأننا قمنا بأمر ذو أهمية".
وأكمل قائلاً: "أعتقد أنه وقت مثير للقيام بتطوير الألعاب ونقطة انتهى. منصات جديدة، طرق تطوير جديدة، أفكار جديدة، تعاونات جديدة بين الشركات وتكنولوجيا جديدة مثل الواقع الافتراضي (VR) الذي يفتح آفاقاً واحتمالات جديدة كلياً".
"بالنسبة للرعب، آمل أن تستمر وتستمر نهضة ألعاب الرعب في إظهار أن باستطاعة اللاعبين الحصول على تجارب ذات معنى لا تركز فحسب على سحب الزناد والقتل".
"تجارب ذات معنى تقوم بتشغيل الخيال وأخذ اللاعبين في رحلاتهم الخاصة ليقوموا برواية قصصهم الخاصة بهم".